أعاد التقارب المتسارع بين مصر وتركيا رسم خريطة العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط، بعدما تجاوز البلدان سنوات طويلة من التوتر والخلافات، ليتحول الخصمان السابقان إلى شريكين يتجهان نحو تحالف استراتيجي قائم على التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي.
وذكرت ذا ناشيونال أن مصر وتركيا، وهما من أكبر القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، عاشتا أكثر من عقد في حالة من القطيعة السياسية قبل أن تستعيدا العلاقات الدبلوماسية الكاملة قبل ثلاثة أعوام. ويبدو أن المثل العربي القائل "ما محبة إلا بعد عداوة" يلخص طبيعة العلاقة الجديدة بين البلدين المسلمين الواقعين على ضفتي البحر المتوسط.
تعاون استراتيجي يعيد تشكيل العلاقات المصرية التركية
وتشير المؤشرات إلى أن التقارب بين القاهرة وأنقرة تجاوز حدود المصالح المؤقتة، إذ يعقد قادة ومسؤولون بارزون من البلدين لقاءات متكررة تتبعها تصريحات تؤكد الطابع الاستراتيجي للعلاقات والرغبة المشتركة في تعزيز التعاون.
وتزايدت المناورات العسكرية المشتركة بين البلدين تحت أسماء رمزية مثل "النجم الأناضولي" و"صداقة البحر"، بمشاركة القوات البحرية والقوات الخاصة والقوات الجوية، في مشاهد تعكس تنامي الشراكة العسكرية بين الجانبين.
كما عززت مصر وتركيا التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، إذ حصلت القاهرة على تقنيات الطائرات المسيّرة التركية، بينما استفادت أنقرة من المركبات القتالية وأنظمة الدفاع الجوي المصرية. ونسّق البلدان صادرات الأسلحة المصنعة محليًا إلى الأسواق الإفريقية وبعض الدول العربية، بهدف تجنب المنافسة المباشرة بينهما.
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية زكي أكتورك، خلال مؤتمر صحفي في أنقرة، إن مصر وتركيا تمتلكان إرثًا قويًا قائمًا على روابط تاريخية وثقافية عميقة، مشيرًا إلى أن مذكرة التعاون الدفاعي التي وقّعها البلدان تعكس رغبة مشتركة في تعميق العلاقات على أساس الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة.
وجاءت زيارة الفريق أشرف سالم زاهر، وزير الدفاع المصري، إلى أنقرة في 13 يوليو، كأول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه في فبراير، وهو ما يعكس اهتمام القاهرة الكبير بتطوير العلاقات العسكرية مع تركيا.
وقال المحلل الاستراتيجي والعسكري المصري اللواء المتقاعد سمير راغب إن العلاقات بين البلدين أصبحت "علاقة حيوية واستراتيجية"، موضحًا أن القاهرة وأنقرة تديران خلافاتهما حول بعض الملفات عبر الحوار بدلًا من التصعيد والتهديدات، وأنهما تشكلان حاجزًا أمام توسع النفوذ الإسرائيلي في بعض مناطق المنطقة.
من صراع سياسي إلى شراكة إقليمية
وتأتي هذه المرحلة بعد سنوات من العداء السياسي الذي اندلع عقب انقلاب الرئيس المصري الراحل محمد مرسي عام 2013، الذي كان يحظى بدعم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وقاد وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي عملية الانقلاب على مرسي قبل أن يصبح رئيسًا لمصر.
وخلال العقد الذي أعقب الانقلاب، شنت وسائل الإعلام المصرية المؤيدة للحكومة حملات انتقاد يومية ضد تركيا وأردوغان، مستخدمة خطابًا حادًا تجاه القيادة التركية. كما اقترب البلدان من مواجهة عسكرية عام 2020 بسبب الأزمة الليبية، بعدما دعم كل طرف أطرافًا متنافسة في الصراع المستمر هناك.
وفي المقابل، واصل أردوغان انتقاد الانقلاب على مرسي، ورفض الاعتراف بشرعية السيسي ونظامه، واصفًا إياه بالحكم العسكري.
لكن هذا العداء اختفى تدريجيًا، رغم استمرار حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال سنوات الخلاف، ويبدو أن القاهرة وأنقرة تقتربان من تأسيس تحالف رسمي يجمع بين الدولة العربية الأكثر سكانًا والعضو الوحيد ذو الأغلبية المسلمة في حلف شمال الأطلسي.
ورغم التقارب، لا تزال هناك اختلافات في بعض الملفات الإقليمية. إذ لا تؤيد مصر النفوذ العسكري التركي في سوريا، باعتبارها دولة عربية تربطها بالقاهرة علاقات تاريخية وثيقة، كما تعارض الوجود العسكري التركي في ليبيا، الدولة المجاورة لها غربًا، وتؤكد ضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية لإنهاء الانقسامات السياسية هناك.
توافق حول غزة والقرن الأفريقي والسودان يقلق إسرائيل
وفي المقابل، تتفق القاهرة وأنقرة على عدد من القضايا الإقليمية، خصوصًا الملف الصومالي، حيث يسعى البلدان إلى دعم وحدة أراضي الصومال وتعزيز قدرات مؤسساته الأمنية. ويقدم الطرفان تدريبات عسكرية للحكومة في مقديشو، بينما تحتفظ مصر بقوة عسكرية تقدر بنحو عشرة آلاف جندي للمشاركة في تدريب القوات المحلية ودعم جهود مكافحة الإرهاب ضمن ترتيبات مرتبطة بقوة حفظ سلام إفريقية محتملة.
كما أرسلت تركيا سفينة الحفر العميق "جاغري بيه" إلى الصومال، في إطار تعزيز حضورها الاقتصادي والاستراتيجي هناك. ويتفق البلدان على رفض الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي، الذي ترى القاهرة وأنقرة أن إثيوبيا وإسرائيل تسعيان إلى تعزيز وجودهما على ساحل البحر الأحمر من خلاله.
وفي السودان، تدعم مصر وتركيا القوات المسلحة السودانية في مواجهة قوات الدعم السريع خلال الحرب الأهلية المستمرة، انطلاقًا من اعتقادهما بضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة لمنع انهيار البلاد أو دخولها في حالة فوضى ممتدة.
كما تعاونت القاهرة وأنقرة في جهود الوساطة التي أدت إلى وقف إطلاق النار في حرب غزة، وشاركتا إلى جانب قطر وباكستان في مساعي الوساطة المتعلقة بالصراعات الإقليمية الأخرى.
وقال مصدر في القاهرة مطلع على تفاصيل العلاقات بين البلدين إن التعاون الاستخباراتي بين مصر وتركيا يتقدم على جميع مجالات التعاون الأخرى، مضيفًا أن العلاقة بين الجهازين تبدو وكأن البلدين حليفان منذ عقود طويلة.
ورغم امتلاك مصر وتركيا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فإن البلدين أصبحا من أبرز المنتقدين لاستخدام إسرائيل قوتها العسكرية لفرض نفوذها في المنطقة. وكانت تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل عند تأسيسها عام 1948، بينما أصبحت مصر أول دولة عربية توقع اتفاقية سلام معها عام 1979.
وأثارت القدرات العسكرية المتنامية لمصر وتركيا مخاوف لدى تيارات يمينية متطرفة في إسرائيل، دفعت بعض السياسيين الإسرائيليين إلى التحذير من احتمال تحول البلدين إلى خصمين مستقبليين.
وقال سمير راغب إن إسرائيل لا تشعر حاليًا بخطر وجودي من مصر وتركيا، لكنها تنظر بقلق إلى المستقبل، مؤكدًا أن البلدين لن يدخلا حربًا ضد إسرائيل، لكنهما نجحا في تعطيل خطط إسرائيلية في عدد من مناطق المنطقة.
وأضاف أن إسرائيل تخشى تركيا أكثر من مصر بسبب وجودها في سوريا المجاورة، حيث توسع إسرائيل نفوذها، وكذلك قرب تركيا من العراق الذي لا يبعد كثيرًا عن الحدود الإسرائيلية.
https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/07/18/egypt-and-turkey-rapidly-growing-alliance-putting-old-rivalry-aside-and-alarming-israel/

